محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
46
الآداب الشرعية والمنح المرعية
ويعالج المعين مع ذلك بالرقى من الكتاب والسنة والتعوذ والدعاء وليحترز الحسن من العين والحسد بتوحيش حسنه فقد ذكر الخطابي في غريب الحديث عن عثمان رضي اللّه عنه أنه رأى صبيا تأخذه العين فقال : دسموا نونته ، قال ثعلب : أراد بالنونة النقرة التي في ذقنه ، والتدسيم التسويد ، أراد سودوا ذلك الموضع من ذقنه ليرد العين ، قال الخطابي : ومن هذا حديث " 1 " عائشة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطب ذات يوم وعلى رأسه عمامة دسماء أي سوداء ومن هذا أخذ الشاعر قوله : ما كان أحوج ذا الكمال إلى * عيب يوقيه من العين وقد ذكر البغوي في شرح السنة هذا الأثر عن عثمان وفسره كذلك واللّه أعلم . وفي وجوب الوضوء خلاف بين أهل العلم وظاهر ما تقدم من النقل والدليل وجوبه وهو أظهر . وللإمام حبس العائن ، ذكره في الترغيب ، وفي الرعاية : من عرف بأذى الناس حتى بعينه ولم يكف حبس حتى يموت ، وظاهره يجب أو يستحب لما فيه من المصلحة وكف الأذى - ونفقته من بيت المال لكن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يحبسه . وفي الأحكام السلطانية : للوالي فعله ليدفع ضرره لا للقاضي ، قال القاضي عياض : ينبغي للإمام منعه من مداخلة الناس ويأمره بلزوم بيته وبرزقه إن كان فقيرا فضرره أشد من ضرر آكل الثوم والبصل الذي منعه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دخول المسجد ومن ضرر المجذوم الذي منعه عمر والعلماء بعدم الاختلاط بالناس ومن ضرر المؤذيات من المواشي التي يؤمر بتغريبها بحيث لا يتأذى بها أحد ، قال أبو زكريا النواوي : هذا صحيح متعين لا يعرف عن غيره تصريح بخلافه . وهل تنبعث جواهر لطيفة لا ترى من العين فتتصل بالمعين وتتخلل مسام جسمه أم لا بد تنبعث قوة سمية تتصل بالمعين فيتضرر كما قد اشتهر عن بعض أنواع الحيات إذا وقع بصره على إنسان حتى قال بعض أصحابنا وغيرهم لا يتوقف التأثير على الرؤية فقد يوصف للأعمى الشيء فتؤثر نفسه فيه ؟ وقد يعين الإنسان بإرادته وقد يعين بطبعه وهو أردأ ، وهل يحصل التلف والفساد بها أم عندها ؟ مبني على إثبات الأسباب ، وفي ذلك خلاف بين العلماء والمسألة مشهورة . وفي فنون ابن عقيل : القول بالعدوى إضافة الداء إلى التولد وأن الفاسد ولد فاسدا وفي الهواء في الذات السليمة . والعين إضافة الفعل إلى صاحب العين إذ لا يمكنه ذلك ولا في الممكن أن يتولد من عينه ونظره فساد صالح ولا موت حي ولا ينسب ذلك إلا إلى اللّه . والحقيقة أن اللّه هو الفاعل لكل حادث من فساد الأجساد ومن صلاحها وأنه يحدث ذلك عند وجود شيء أو مقارنته ، لأن ذلك الشيء لا يولد ولا يحدث فسادا ولا صلاحا واللّه أعلم .
--> ( 1 ) جاء هذا الحديث عن ابن عباس وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خطب الناس وعليه عصابة وسماء رواه البخاري في صحيحه ( 927 ، 3628 ) .